السيد محمد حسين فضل الله
16
من وحي القرآن
ما يتحرك به الناس ، أو يقفون عنده ، فاللَّه هو الذي يوحي ويشرّع ، والنبيّ هو الذي يخطّط من خلال ذلك سياسته ودعوته وينفذ ، فكان لا بد للمسلمين في براءتهم من المشركين ومن عهودهم ، من أساس ينطلقون منه ، فكانت هذه البراءة الصادرة من اللَّه ورسوله الموجهة إلى المسلمين ، في ما تشتمل عليه من الإنذار الحاسم إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بإنهاء العهود المعقودة بينهم وبين المسلمين . ولكن اللَّه أعطاهم مهلة للتفكير في الأمر في ما يريدون أن يختاروه من الإيمان بالإسلام والسير على هداه الذي يكفل لهم الأمن في الدنيا والآخرة ، أو البقاء على الشرك الذي يقودهم إلى الهلاك في الدارين معا ، فلم يأمر بمعاجلتهم بالمواجهة ، بل أبقى لهم الأمن وحريّة الحركة في أيّ مكان يذهبون إليه ، ليعرّفهم بأن ذلك لم ينطلق من عقدة تبحث عن التنفيس ، بل من خطة تتحرك في اتجاه العدل فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وكلمة السياحة تمثل حرّية التحرك في الانطلاق بعيدا عن مواقع الخطر بالسفر إلى بلاد لا سلطة للإسلام فيها ، أو البقاء في أماكنهم ليتدبروا أمرهم في ما يقررونه من قرار ، أو يتخذونه من موقف وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ فإن اللَّه لا يعجزه أحد في ملكه ، فلا تفكروا بأن الفرار من مواقع الخطر ، يمكن أن يحقق لكم الأمن من عذاب اللَّه ويبعدكم عن ساحة قدرته ، فإن اللَّه قادر على أن يسلّط عباده المؤمنين عليكم في الدنيا ، وأن يذيقكم عذاب الخزي في الآخرة إذا أصررتم على الشرك وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ في الدنيا والآخرة . وقد اختلفت كلمات المفسرين في هذه الأربعة أشهر من أين تبدأ ، هل هي من يوم الحج الأكبر أو هي من يوم العشرين من ذي القعدة ، أو من أول شوّال ، لأن الآيات نزلت فيها ؟ والأقرب إلى جوّ الآية ، هو القول الأوّل ، لأنّ يوم الحج الأكبر هو يوم الإبلاغ والإيذان ، فكان من الأنسب أن تبدأ المهلة منه لتتناسب مع التوسعة وإتمام الحجة ، ومن المعروف أن يوم النحر هو يوم الحج